تقنية “الرسم بالضبط البارد:
تُعدّ
تقنية “الرسم بالضبط البارد” إحدى التقنيات المفاهيمية المعاصرة التي ظهرت استجابة
للتحولات الجمالية في الفن الرقمي وما بعد الصناعي، حيث اتجه عدد من الفنانين إلى خلق
أعمال تعكس “حيادًا شعوريًا” مطلقًا، وتُظهر اللوحة أو التكوين وكأنه نتاج آلة دقيقة
لا تتأثر بالعاطفة الإنسانية. تقوم هذه التقنية على فكرة أساسية مفادها أن الفنان يتعمّد
إلغاء أثر الشعور في العمل، ليَحِلّ محله الضبط التقني والاتساق الهندسي والهدوء الإنشائي
الذي يخلو من الانفعالات المرئية. ومن هنا جاءت تسميتها بـ“الضبط البارد”؛ أي الدقة
التي تُمارَس ببرود، دون حرارة حسّية أو انفجار تعبيري.
الخلفية المفاهيمية للتقنية:
ترتبط
هذه التقنية بالسؤال الفلسفي القديم حول علاقة الفن بالسلوك البشري:
هل يمكن
للفن أن يوجد دون عاطفة؟ وهل يستطيع الفنان أن يخلق جمالًا مجردًا من ذاته؟
من هذا
المنطلق، يتلقّى “الرسم بالضبط البارد” تأثره من ثلاث اتجاهات:
الفن الحيادي
Neutral Art الذي يسعى
إلى فصل العمل عن رغبات الفنان.
التقنية
الصناعية Machine Aesthetics
التي تُمجّد الحركة المنتظمة والخطوط الحادة كما لو كانت صنعًا ميكانيكيًا.
الفن الرقمي
الحسابي الذي يعيد تعريف الإبداع بوصفه ناتجًا لعملية يمكن برمجتها.
تحاول
التقنية أن تخلق مسافة بين الفنان والعمل، بحيث يصبح الأخير “مَنتَجًا بصريًا” أقرب
إلى التصميم العلمي منه إلى التعبير الذاتي. وهذا ما يجعلها تقنية نقدية أيضًا؛ فهي
تسائل فكرة الأصالة، وعمق الوجدان، ووجود الفنان ذاته في اللوحة.
خصائص التقنية وبنيتها الجمالية:
يمكن التعرف
على العمل المنفذ بتقنية “الضبط البارد” من خلال مجموعة خصائص واضحة:
دقة هندسية صارمة:
تظهر الخطوط
والمسطحات وكأنها مرسومة بواسطة أدوات قياس أو برمجيات تصميم، حتى لو كانت مرسومة يدويًا.
وتأخذ
التركيبات شكلًا أقرب للمخططات الهندسية أو البُنى الصناعية.
حياد لوني:
تبتعد
اللوحة عن الألوان الدافئة أو الثرية بالطبقات الشعورية، وتميل إلى:
الدرَجات
المعدنية.
الأزرق
الباهت.
الرمادي
العلمي.
أو تدرجات
متقاربة لا تستدعي انفعالًا بصريًا قويًا.
غياب أثر اليد البشرية:
لا يظهر
أي ضربات فرشاة خام، ولا أثر للانفعالات اللحظية.
يبدو السطح
“ممسوحًا”، موحّدًا، نظيفًا، وكأنه مُنتَج في غرفة تصنيع دقيقة.
ترتيب بصري متجانس:
يعتمد
البناء على تكرار العناصر، والتناسب المتساوي، والتماثل الذي يعزز شعور “النظام البارد”.
جمود تعبيري:
لا تحمل
الصورة رسائل شعورية مباشرة، بل تستدعي التفكير التحليلي وليس التفاعل العاطفي.
البعد الفلسفي والنقدي:
يكشف
“الرسم بالضبط البارد” تناقضًا جذريًا:
الفن عادة
يُنتج باليد، لكن هذه التقنية تحاول إخفاء اليد.
الفن يشكّل
مشاعر، وهنا يتم تعطيل المشاعر.
الفن يحمل
ذات الفنان، بينما في هذه التقنية، الذات مُنحّاة، مؤجلة أو مخفية.
التطبيقات العملية داخل العمل الفني:
يمكن تطبيق
التقنية يدويًا أو رقميًا، عبر خطوات مثل:
تحديد
شبكة بنائية (Grid)
تُحَدّدُ مناطق اللوحة مسبقًا.
استخدام
أدوات دقيقة مثل المساطر والدوائر والاسطوانات الهندسية.
اختيار
لوحة ألوان حيادية تقل فيها التباينات الدافئة.
تنفيذ
ضربات ثابتة ومكررة دون تغيّر في الإيقاع.
تجنّب
اللمسات الشخصية كالخطوط العفوية أو العطب المقصود.
بهذه الطريقة
يتحول الرسم إلى عملية شبه علمية، يسيطر فيها الحساب على الحدس.
الدلالات المعاصرة للتقنية:
تُستخدم
التقنية في سياقات متعددة مثل:
النقد
الثقافي لعصر الأتمتة.
التعبير
عن البرودة الإنسانية في المجتمعات الحديثة.
محاكاة
الجمال الصناعي.
إنتاج
لوحات تُشبه واجهات الروبوتات أو هياكل البيانات.
كما تُستخدم
في الفن الرقمي لخلق أعمال تعكس “خوارزمية” ظاهرة على السطح.
موقع التقنية ضمن الفن المعاصر:
تنتمي
“الضبط البارد” إلى فن ما بعد الحداثة وما بعد الرقمية، وتُعد نوعًا من الفن ضد التعبير
Anti-Expressionism،
لكنها في الوقت نفسه تقدم نوعًا جديدًا من التعبيرية الخافتة:
تعبير
عن الإنسان حين يصبح شبيهًا بالآلة.