JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
ريشة فنان

تقنية التراكم الإدراكي الطبقي

 



تقنية “التراكم الإدراكي الطبقي” في الفن المعاصر:

تُعد تقنية “التراكم الإدراكي الطبقي” من التقنيات الفنية الحديثة التي ظهرت ضمن الحراك المفاهيمي للفن المعاصر، لكنها لا تزال قليلة التناول في الأدبيات العربية والعالمية، وغير منتشرة في محركات البحث، نظراً لكونها تنتمي إلى طيف التجارب البصرية المركّبة التي تجمع بين علم الإدراك البصري، التجريد الطبقي، وصناعة المعنى المتحول. تعتمد هذه التقنية على بناء العمل الفني من خلال طبقات متتابعة من العناصر البصرية الدقيقة، بحيث لا يُقرأ العمل قراءة واحدة شاملة، بل تتكشف مكوناته تدريجياً عبر الزمن، وعبر تغيّر زاوية المشاهدة، أو عمق التركيز، أو مستوى الإضاءة. ومن خلال هذا التدرّج في الكشف، يصبح المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى وليس مجرد مستهلك سلبي للصورة.

المفهوم العام للتقنية التراكم الإدراكي الطبقي:

هي عملية فنية يتم فيها تشكيل العمل من طبقات متعددة شفافة أو شبه شفافة تحمل كل منها جزءاً من اللغة البصرية للعمل. هذه الطبقات لا تُفهم منفردة، بل تتفاعل فيما بينها لتشكيل معنى مركّب ينمو مع الزمن. يعتمد الفنان فيها على توزيع العناصر (خطوط، نقاط، ظلال، رموز، تدرجات لونية) في طبقات يمكن رؤيتها بترتيب بصري متغير، بحيث يظهر جزء منها فقط عند النظرة الأولى، بينما تحتاج باقي الأجزاء لعمليات إدراكية إضافية للكشف عنها.

وبذلك، يصبح العمل أقرب إلى “نص بصري مفتوح”، يقرأه المشاهد قراءة متسلسلة وليست فورية. هذه الخاصية تمنحه فرادته، إذ يعكس الطبيعة البطيئة والمعقدة للإدراك البشري، حيث لا تُفسَّر الصورة كاملة دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجياً من خلال ترابط أجزاء صغيرة.

 الأسس النظرية للتقنية:

تستمد هذه التقنية جذورها من علوم الإدراك البصري، وخاصة:

نظرية الجشطالت التي ترى أن العين تبحث عن “وحدة كلية” للصورة.

نظرية الإدراك المرحلي التي تؤكد أن الدماغ يبني المعنى على مراحل.

مفهوم “العمق الإدراكي” الذي يعني أن بعض العناصر لا تُدرك إلا بعد تكرار النظر.

علم تأثير التراكم البصري Visual Accumulation Effect، الذي يشير إلى أن الصورة المعقدة تعيد تشكيل نفسها داخل الوعي بمرور الوقت.

هذه الخلفية العلمية تمنح التقنية أساساً منهجياً يربط الفن بالتحليل العقلي والإدراكي، مما يجعلها أكثر من مجرد أسلوب جمالي، بل إطاراً معرفياً يعيد النظر في مفهوم “الصورة” نفسها.

 الخصائص الجمالية للتقنية:

تتسم التقنية بعدد من الخصائص التي تميزها عن الأساليب المعتادة في الرسم أو النحت، من أبرزها:

البنية الطبقية المتدرجة:

العمل يتكوّن من طبقات متراكمة، قد تكون:

طبقات ورقية شفافة،

طبقات دهان مخففة،

طبقات من الأكريليك الشفاف،

أو طبقات رقمية مركبة (في حال الأعمال الرقمية).

كل طبقة تحمل معنى جزئياً، لكنها لا تُفهم إلا ضمن نظامها الكلي.

الغموض المقصود:

لا يظهر المعنى مباشرة، بل يُخفى جزء منه لخلق فعل “الاكتشاف البصري” لدى المشاهد.

تعدد زوايا الرؤية:

تغيّر زاوية المشاهدة يغيّر ترتيب الطبقات بصرياً، فينشأ معنى جديد.

مركزية الضوء:

الضوء سواء الطبيعي أو الصناعي يلعب دوراً في إظهار أو إخفاء أجزاء من الطبقات.

التفاعل بين المادة والمعنى:

لا يكتفي الفنان بتوزيع اللون، بل يتعامل مع المادة كوسيط يحمل إمكانية “تأجيل المعنى” إلى لحظة إدراكية لاحقة.

مميزات التقنية التراكم الإدراكي الطبقي:

تعميق التجربة البصرية للمشاهد.

 يمنحه فرصة التفاعل المستمر مع العمل، مما يجعل كل مشاهدة مختلفة.

تحويل العمل إلى نص بصري ديناميكي.

المعنى غير ثابت، بل يتغيّر حسب عوامل الإدراك والزمن.

خلق علاقة فكرية بين الفنان والمتلقي.

لأن العمل يفرض على المشاهد التفكير والتحليل، وليس مجرد التلقي.

إبراز أهمية الزمن في العملية البصرية.

الزمن هنا ليس لحظة، بل عنصر بنائي في تكوين العمل.

توسيع إمكانيات المادة.

استخدام الطبقات الشفافة يمنح العمل أبعاداً حسية جديدة.

إتاحة إمكانات للدمج بين الفن التقليدي والفن المعاصر.

إذ يمكن تطبيق التقنية في اللوحات، المجسمات، وحتى الأعمال الرقمية.

تطبيقات التقنية التراكم الإدراكي الطبقي:

تستخدم تقنية “التراكم الإدراكي الطبقي” في عدة مجالات فنية:

اللوحات الشفافة:

حيث يُرسم كل جزء من المشهد على طبقة منفصلة، ثم تندمج الطبقات تدريجياً.

المنحوتات الطبقية:

بناء تشكيل ثلاثي الأبعاد من طبقات أكريليك أو زجاج شفاف.

الفن الضوئي:

إسقاط أشعة ضوئية تتحكم في أي الطبقات يظهر وأيها يختفي.

الفن الرقمي:

تصميم أعمال تتغير طبقاتها بناءً على حركة الماوس أو لمس الشاشة.

تقنية “التراكم الإدراكي الطبقي” ليست مجرد أسلوب لتعدد الطبقات، بل هي فلسفة بصرية تدمج بين الإدراك، والمواد، والضوء، والزمن. تضع المشاهد في حالة تفاعل مستمر مع العمل، وتقدم نموذجاً فنياً جديداً لفهم الصورة ليس بوصفها لحظة ثابتة، بل بنية ديناميكية تتكون على مراحل. لذلك فهي تعد من أكثر التقنيات الواعدة في مستقبل الفن المعاصر، خاصة لدى الفنانين الذين يبحثون عن أساليب تُشرك المتلقي في إنتاج المعنى، وتعتمد على عمق الرؤية بدلاً من سطحيّتها.


الاسمبريد إلكترونيرسالة