JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
ريشة فنان

تقنية إزاحة المرجعية البصرية

 



تقنية إزاحة المرجعية البصرية:

شهدت الممارسات الفنية المعاصرة تحولات جوهرية في فهم العلاقة بين الصورة والمعنى، حيث لم تعد الصورة تُعامل بوصفها حاملة مباشرة لدلالة ثابتة، بل كمنظومة مفتوحة تتداخل فيها عناصر الإدراك، والسياق، والتلقي. ضمن هذا الإطار، تبرز تقنية «إزاحة المرجعية البصرية» كإحدى التقنيات التي تعمل على زعزعة العلاقة التقليدية بين الشكل البصري ومدلوله المرجعي، دون المساس بالبنية الشكلية الظاهرة للعمل الفني. وتكمن أهمية هذه التقنية في كونها لا تُنتج صورة غامضة، بل تُنتج صورة مألوفة منزوعًا عنها يقينها الدلالي.

تقوم إزاحة المرجعية البصرية على فرضية مفادها أن المعنى ليس خاصية ثابتة للصورة، بل نتيجة تفاعل بين الصورة وخبرة المتلقي والسياق الثقافي. وبذلك، فإن التقنية لا تسعى إلى تحطيم المرجع، بل إلى تعليقه. فالعنصر البصري يظل قابلًا للتعرّف، إلا أن مرجعيته الثقافية أو الوظيفية لا تعود صالحة للاستخدام الفوري.هذا التعليق يخلق فراغًا دلاليًا يُجبر المتلقي على إعادة التفاوض مع الصورة بدل استهلاكها إدراكيًا بشكل تلقائي.

آليات الإزاحة البصرية:

تتحقق هذه التقنية عبر مجموعة من الآليات الدقيقة، أبرزها:

النقل السياقي:وضع عنصر بصري معروف داخل سياق لا يخدم معناه الأصلي، مما يُفقده مرجعيته المعتادة دون تشويهه.

تعطيل الوظيفة الرمزية:إبقاء الرمز كما هو، مع إزالة المؤشرات التي تُساعد على تفسيره ثقافيًا أو تاريخيًا.

الحياد البصري المتعمّد:تقديم العنصر دون أي تأكيد تعبيري، بحيث لا يُرشد المتلقي إلى موقف جمالي أو أخلاقي محدد.

هذه الآليات لا تعمل منفردة، بل تتداخل لتشكّل حالة إدراكية مضطربة لكنها واعية.

البعد الإدراكي والنفسي:

على المستوى الإدراكي، تُحدث إزاحة المرجعية البصرية ما يمكن تسميته بـ الخلل التفسيري المؤقت، حيث يتوقف العقل عن الربط التلقائي بين ما يُرى وما يُفهم. هذا الخلل لا يُعد عيبًا إدراكيًا، بل استراتيجية فنية تهدف إلى كشف آليات التلقي نفسها.

أما نفسيًا، فإن المتلقي يمر بحالة من التوتر المعرفي، تتراوح بين الرغبة في الفهم والقبول المؤقت لغياب المعنى، وهو ما يحوّل عملية التلقي إلى تجربة نشطة بدلًا من كونها استهلاكًا بصريًا سلبيًا.

البعد الفلسفي والمعرفي:

ترتبط هذه التقنية ارتباطًا وثيقًا بالفلسفات التي تشكك في مركزية المعنى وثباته، لا سيما الطروحات التي ترى أن الدلالة نتاج تفاوض دائم بين العلامة ومتلقيها. فالعمل الفني، في هذا السياق، لا يُقدّم إجابة، بل يُنتج سؤالًا بصريًا مفتوحًا.

كما تُعيد إزاحة المرجعية البصرية طرح إشكالية السلطة المعرفية في الفن: من يملك حق إنتاج المعنى؟ الفنان أم المتلقي؟ أم السياق؟

أهمية التقنية في الفن المعاصر:

تكتسب هذه التقنية أهميتها في زمن يتسم بتضخم الصورة وسرعة استهلاكها، حيث تعمل إزاحة المرجعية البصرية على إبطاء فعل الرؤية، وإعادة الاعتبار للتأمل. وهي بذلك تمثل موقفًا نقديًا من الثقافة البصرية السائدة، لا مجرد أسلوب جمالي.

كما أن محدودية تناولها في الدراسات العربية تعكس حاجة ملحّة إلى تطوير خطاب نقدي يتجاوز التصنيفات التقليدية للتقنيات الفنية.

تمثل تقنية إزاحة المرجعية البصرية تحولًا مفاهيميًا في فهم التقنيات الفنية، إذ لا تتعامل مع الصورة بوصفها حاملًا للمعنى، بل كمساحة تفاوض إدراكي ومعرفي. ومن خلال تعليق المرجعية، تفتح هذه التقنية المجال أمام إنتاج معانٍ متعددة وغير مستقرة، مما يجعلها أداة فنية ونقدية في آن واحد.

 


NomE-mailMessage